أبي منصور الماتريدي
499
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
--> - وقد احتج عليهم بإلزامات أخرى ؛ منها : تحريم الاصطياد ، وقتل الحيوان ولو بحق يوم السبت في شريعة موسى عليه السلام بعد إباحته إباحة مطلقة عن الغاية في شريعة إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام . ومنها تحريم جمع الأختين في شريعة موسى عليه السلام وما بعدها من الشرائع بعد الإباحة في شريعة يعقوب عليه السلام ، فإنه جمع بين الأختين ، ومنها وجوب الختان عندهم يوم الولادة ، وقيل : في الثامن في شريعة موسى عليه السلام بعد الإباحة في شريعة إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام . فإن قال الخصم ردّا لهذه الإلزامات الثلاثة : ( إن هذه الأمور لم يتعلق بها خطاب في شريعة ، بل هذه كانت مباحة قبل التحريم والوجوب ، ورفع مباح الأصل ليس بنسخ ) . قلنا جوابا عن هذا الرد : ( التحقيق أن هذه المباحات مباحات شرعية بدليل أن الله جل شأنه لم يترك الإنسان من وقت نشأته في حين من الأحيان سدى قال تعالى : أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً [ القيامة : 36 ] ولم يمض وقت إلا وفيه شريعة نذير ، وإذا كان فلا بد أن تكون هذه المباحات شرعية واردة في شرائع هؤلاء النذر ؛ لذلك ذهب الإمام فخر الإسلام إلى بطلان القول بالإباحة الأصلية مستدلّا بالآية الكريمة السابقة . ووجه الاستدلال بها : أن الإنسان لم يترك في حين من الأحيان سدى بل هو مكلف بشريعة نبي من الأنبياء ، فلا شك أن الأشياء منها ما كان على الوجوب ، ومنها ما كان على التحريم وهكذا . فالقول بالإباحة مطلقا باطل ، إلا بمعنى عدم المؤاخذة لاندراس الشرائع زمان الفترة وجعل هذا الجهل عذرا . وأيضا تلك الإباحات لما تقررت في تلك الشرائع وعلمت الأمة بها من غير نكير من النذر لها صارت بحكم التقرير أنها من أحكام تلك الشرائع ، فيكون رفعها رفع حكم شرعي وهو النسخ ، كيف وقد جمع يعقوب بين الأختين وفعل النبي تشريع وكذا الاصطياد والاختتان ؟ ! فهذه الحجج ثابتة من غير أن يمسها أدنى شبهة من أولي التلبيس ، والله أعلم . وقوع النسخ في شريعة واحدة : وذلك أن الله تعالى أمر المتوفى عنها زوجها بالاعتداد حولا كاملا بقوله تعالى : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ [ البقرة : 240 ] ثم نسخ ذلك بأربعة أشهر وعشر كما قال : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً [ البقرة : 234 ] فالآية الأولى تفيد وجوب الاعتداد على المتوفى عنها زوجها سنة والوصية على الزوج بالنفقة والسكنى ، فنسخ عدة السنة بالعدة بالأشهر ، والوصية بالميراث . روى البيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله تعالى : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ . . . الآية قال : كان الرجل إذا مات وترك امرأته اعتدت سنة في بيته ينفق عليها من ماله ، ثم أنزل الله : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً [ البقرة : 234 ] فهذه عدة المتوفى عنها زوجها إلا أن تكون حاملا فعدتها أن تضع ما في بطنها . وقال في ميراثها : وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ [ النساء : 12 ] فبين ميراث المرأة وترك الوصية والنفقة . فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليها أن تتزين وتتصنع وتتعرض للتزويج فذلك المعروف . وفي صحيح البخاري قال ابن الزبير : قلت لعثمان : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ . . . الآية ، قد نسختها الآية الأخرى وهي وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فلم تكتبها . فقال : يا ابن أخي لا أغير شيئا من مكانه . وهذا إخبار أجلة الصحابة بالنسخ . وقول الصحابي فيه مقبول فلا يعارضه قول مجاهد : ( إن الآية ثابتة غير منسوخة ) ومعناه أن تمام السنة على أربعة أشهر وعشر إنما هو بالوصية : إن شاءت سكنت -